السجن بديلا عن الدولة



 السجن بديلا عن الدولة


حين أعلنت الدولة المصرية قبل 4 سنوات عن افتتاح مجمع سجون "على أحدث طراز"، لم يكن الإعلان مجرد خبر، بل احتفال ضخم بمنجز كبير، وبداية مرحلة مختلفة تماما عن كل ما سبقها من عمر الدولة المصرية.

نظمت الدولة حفلا بالفعل، وأعدت له أغنية ترويجية غناها مدحت صالح ومي فاروق بعنوان "فرصة للحياة"، وجاءت الفضائيات والتلفزيون الرسمي ووكالات الأنباء للتغطية، وجرى تصوير "كليب" الأغنية داخل السجن، وكان أبطاله من السجناء الحقيقيين. لم يكن هذا مشهدا مجتزءا من رواية ديستوبية، ولا فصلا من خيال جورج أورويل، بل ما حدث بالفعل وأمام أعيننا:
صار السجن "فرصة للحياة".
لم يعد السجن مؤسسة داخل الدولة المصرية، بل صار بديلا عنها. السجن هو "الجمهورية الجديدة": شخصيتها وفكرتها ووظيفتها. ففي الدولة الحديثة يتنازل المواطن عن جزء من حريته مقابل حماية بقية حرياته، هذه هي صفقة "الدولة" مع "المواطن"، وهذا هو معنى الدولة الحديثة أصلا. أما في مصر السيسي، فالصفقة مختلفة: فرصتك الوحيدة في الحياة هي أن تتعلم كيف تعيش داخل "الحالة السجنية"، سواء كنت داخل الزنزانة بالفعل، أو خارجها بقليل.
لم يعد السجن مؤسسة داخل الدولة تحتجز من يهددها، بل تمدد حتى ابتلع الدولة نفسها، وصار شرط استمرار السلطة الوحيد. هكذا تحولت حيواتنا اليومية إلى توقيفات واستدعاءات وتحقيقات وإحالات وقضايا وأحكام ومراقبة وتهديد دائم بالحبس، وتحولت مناشدات الإفراج عن المسجونين إلى جزء من المشهد اليومي، مثل الأكل والشرب والتنفس... مناشدات ووساطات وتوسلات لا طلبا للحرية، بل للحصول على نسخة أخف من السجن.
مناشدات بالخروج من الزنزانة إلى البيت (تحت المراقبة، والمبيت اليومي في القسم لسنوات، والمنع من السفر، والتضييق في العمل، والتهديد الدائم بالعودة إلى الحبس) يعتبرها أصحابها منجزا، وهي كذلك. فالسجين، على الأقل، سوف ينام على سرير آدمي، ويدخل حماما آدمياً، ويحتضن أولاده، قبل أن يعود إلى السجن، فتبدأ المناشدات من جديد، بالسماح بالزيارة، أو بإدخال الكتب، أو بالخروج من الانفرادي، أو بالتريّض، أو بالنوم. (النوم؟) حتى النوم صار طلبا ورجاء ومناشدة وشهادات تعذيب.
هكذا نجحت السلطة في مصر في زرع سجن داخل السجن، وسجن داخل الزيارة، وسجن داخل الأحكام القضائية، وسجن داخل العفو الرئاسي. حتى وعد الرئيس بالإفراج لا يعني الفرج، بل الانتقال من سجن إلى آخر. السجن هو الأصل. إما أن تقبله فتحصل على حق التواجد خارجه كـ "ساكن"، وإما أن ترفضه فتعود إلى زنزانتك.
خذ مثلا (من عشرات الآلاف): خرج أحمد دومة بعفو رئاسي في أغسطس 2023 بعد عشر سنوات في السجن، ليجد نفسه ممنوعا من السفر، ممنوعا من العمل، ممنوعا من الكتابة، ملاحقا، مراقبا، مهددا، وفي أقل من عامين جرى استدعاؤه سبع مرات، في سبع قضايا، لأنه حكى قصة، أو نشر مقالا، أو تضامن مع مسجون، ودفع دومة -أو بالأحرى دفع عنه أصدقاؤه- ما يتجاوز ربع مليون جنيه كفالات، ثم انتهى ذلك كله بحبسه على ذمة قضية جديدة، بتهمة أنه يزعم -كذبا- أن الدولة تسجن من يختلف معها في الرأي!
لا تحتمي الدولة المصرية بالسجن لأنها قوية، بل لأنها عجزت عن أداء استحقاق حماية حريات المواطنين مقابل جزء منها. ليس السجن هنا استعراضا للقدرة كما يبدو، بل اعتراف بالإفلاس، وشهادة بأن السلطة لم تعد قادرة على إقناع أحد، فاكتفت بإسكات الجميع.
يبدو النظام في مصر مستقرا، لكنه لا يعيش إلا بالسجن، ولا يطمئن إلا للسجن، ولا يتخيل الدولة والسلطة والسياسة إلا سجنا كبيرا. ولهذا يبدو كل شيء فيه هشا رغم هذه السيطرة؛ لأن السجن يؤجل الانفجار، لكنه لا يبني دولة.

المصدر: العربي الجديد/ 19 مايو 2026

السجن بديلا عن الدولة  السجن بديلا عن الدولة Reviewed by محمد طلبة رضوان on مايو 21, 2026 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.