تعريف "العدو"



ليست كل العداوات سواء، وليست كل المخاطر سواء. ثمة فارق بين عدو يريد أن يحكمك وعدو يريد أن يمحوك، بين مشروع نفوذ تحده المصلحة ومشروع إحلال لا تحده إلا الجغرافيا، بين إجرام يتوقف عند حدود السيطرة وإجرام نصّ على أنه لن يتوقف. ومن يُسوّي بينهما فهو لا يمارس الموضوعية أو الاتساق، كما يتصور، بل يرتكب خطأً معرفيا قبل أن يكون سياسيا. فالمعيار المزدوج -هنا- ليس تناقضا بل ضرورة، فلا يمكنك أن تقيس بمسطرة واحدة ما هو مختلف بطبيعته.
ثمة رؤى يتبناها "آدميون" مثلنا ترى أن الخطر الإيراني أكبر من الإسرائيلي، وأن الشيعة أخطر من اليهود، وأن ضغط "نظام عربي"، بالاشتراك مع إسرائيل، على الولايات المتحدة الأمريكية في 2010 وتكرار ذلك في 2026، لضرب المشروع النووي الإيراني مشروع وواجب، وأن الرهان على واشنطن وتل أبيب أكثر أمانا، وافتح قوسا وضع (عقلانية، وواقعية، وبراجماتية) وتأكد من إغلاق القوس جيدا فهذه المرطبات أكثر سيولة من أصحابها.
ليست المشكلة في الأنظمة فهي ليست "منا" بالتعريف وبالوظيفة، ولكن في تورط خطابات "مقاومة" هذه الأنظمة في روايتها، إلى الحد الذي يسلب هؤلاء "المعارضين" أي معنى سياسي أو أخلاقي يعزز وجودهم، ويمنح أنظمة استبدادية مزيدا من أسباب الوجود والاستمرار.
يأتي الاختلاف حول تعريف العدو من العجز، المتعمد أحيانا، عن التفرقة بين أنظمة محلية ذات طبيعة احتلالية وبين المحتل نفسه، قد تكون الأنظمة المحلية قمعية، وهي كذلك وأكثر، وقد تمارس عنفا واسعا، وقد فعلت ما هو أكثر، لكن وظيفتها الأصلية، مع انحرافها وفسادها، هي إدارة دولة ومجتمع داخل حدودها، وذلك ما يضمن استمرار سلطتها ومصالحها، وفي المقابل يمنح المحكومين فرصة الاستمرار في محاولات التغيير داخل هذه الحدود. وهذا هو الفارق بين خصم محلي يدمر معنى السياسة ومحتل خارجي يدمر معنى الحياة.
"إسرائيل تقوم بالأعمال القذرة نيابة عن الغرب"، هكذا، وبالحرف الواحد، تحدث عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس في معرض دفاعه وامتنانه لـ"الإجراءات الإسرائيلية ضد إيران" في يونيو الماضي. فهل يسعنا، نحن أصحاب هذه المنطقة التي تقوم فيها إسرائيل بالأعمال القذرة نيابة عن الغرب الاستعماري، إنكار ذلك أو مشاركة أنظمة الوكالة الاستعمارية المحلية في التشويش حول تعريف العدو؟
إن العدو الذي بدأ في غزة بقتل الأطفال، هو العدو الذي بدأ في إيران بقتل الأطفال، فهو لا يتخلى عن انحيازاته الأخلاقية والسياسية لأنه موجود بهما، وإذا تخلى عن كونه عدوا فلا وظيفة له هنا، وإذا تخلى عن كونه لا أخلاقيا فلا معنى لحصوله -من دون غيره- على هذه الوظيفة.
يمثل المشروع الإيراني تحديا جيوسياسيا يندرج تحت مفهوم صراع النفوذ والحدود، وحتى لو اتخذ هذا المشروع طابعاً مذهبيا أو استبداديا عنيفا فإنه يظل صراعا ضمن النسيج الإقليمي والتاريخي للمنطقة، ولا يختلف فيه النظام الإيراني عن أي نظام عربي سوى في مدى "قدرته" على توسيع نفوذه، أما العدو فهو لا يكتفي بالسيطرة السياسية، بل يهدف وبوضوح إلى إحلال ديموغرافي مستمر وإلغاء وجودي للسكان الأصليين، (وبعضهم من ضحايا النظام الإيراني) وهذا بالضبط هو الفارق الذي يجعل المعيار المزدوج ضرورة، ويجعل التسوية بين الخطرين تواطئا.
ثمة أسباب حقيقية لكراهية النظام الإيراني، أسباب تتجاوز أنه استبدادي وطائفي وتوسعي، أسباب تتعلق بحيوات بشر ومصائر شعوب، ثمة عداوات مستحقة ومرارات راسخة وترومات لا سبيل إلى لوم ضحاياها، مهما فعلوا، لكن ثمة من يوظف ذلك كله كأداة لتفكيك "مفهوم العدو" ضد مصلحة أصحاب العداوات والمرارات والترومات أنفسهم، بما يعيد إنتاج ذلك كله في صور أكثر بشاعة وديمومة على يد محتل أول جرائمه تتجاوز آخر جرائم المشروع الإيراني.
ليس الرهان على واشنطن أو تل أبيب "براجماتية سياسية"، بل تنازل عن السيادة الاستراتيجية ومشاركة في هندسة المنطقة بما يخدم مصالح العدو… العدو وحده.

*نُشر اليوم في العربي الجديد.

https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%91


إرسال تعليق

0 تعليقات