لا أعرف عن بسنت سليمان أي شيء سوى بعض ما نٌشر عنها، ومع ذلك يمكنني أن أحكي لك عن مأساتها، وبالتفاصيل، فقد عشتها عشرات المرات مع أخريات حاولن وفشلن، حاولن الحياة وحاولن الموت.
البدايات كثيرة والنهايات واحدة، البداية حين يتشكل مفهوم الرجولة، من البيت، ومن المجتمع، ومن الثقافة الشعبية، ثم يأتي الدين، أو الخطاب الذي يتكلم باسمه، ليمنح ذلك كله أختام الشرعية.
في "كل" المرات التي حضرت فيها جلسات التوسط من أجل إصلاح ذات البين بين زوجين على وشك الطلاق كان ثمة عامل مشترك لا يغيب أبدا: أن أغلب الوسطاء من الطرفين يحاولون إقناع الزوجة بخطئها، أي خطأ؟ لا يهم، فطالما أن الأمور وصلت للطلاق فثمة خطأ ما تتحمله المرأة.
تبدو بشاعة الموقف حين يتخذ خطاب القهر شكل الدين، وتزداد بشاعته حين يتبناه أهل الزوجة، أبوها أو أخوها أو غيرهما، ممن يريدون لها "الستر"، أو بالأحرى لأنفسهم، فهي إن طلقت فقد تعرت، ولو واجهت الحياة وعملت وربت أولادها فهي امرأة وحيدة "سيرتها على كل لسان"، ولو تزوجت بغيره فقد أدخلت على عيالها رجلا غريبا، ولو كان العيال بنات فالجريمة مضاعفة. باختصار: الطلاق عار، والموت أهون.
تواجه المرأة التي طلبت الطلاق حصارا لا فكاك منه، لا حل، لا أمل، لا وسيلة. زوجها ضدها، وأهله، وأهلها، وأحيانا أولادها، ثم الدين، كما سيخبرونها وتصدقهم. لا مصدر للدخل، لا دولة هنا ولا رجل. أما الدولة فلا معنى لاستعراض أحوالها، حاول إن استطعت أن تمشي في شوارعنا بعد التاسعة مساء، وسوف يخبرك الظلام بكل شيء. وأما الزوج، فهو لا يقل ظلاما عن العالم الذي لقنه أن سلطته حق، وأن مسؤوليته فضل، وأن أولاده امتداد لملكه لا أمانة في عنقه.
لماذا أنفق على أولادي وهم ليسوا في بيتي؟ خذهم إذن، وهل ثمة أم تترك أبناءها؟ هي مجرمة إن أخذتهم ومجرمة إن تركتهم، وعليها، في الحالين، أن تتحمل مسؤولية جريمتها، أن تدفع من عمرها، ومن صحتها، ومن شبابها، ومن جيبها، نفقات تربيتهم، وطعامهم، وشرابهم، وعلاجهم، وتعليمهم، وما أدراك ما تعليمهم؟ ثم حالتهم النفسية التي ينبغي ألا تتأثر أو تتضرر بابتعاد الأب عنهم، فهو حاضر بسيرة طيبة عليها أن تخترعها وترويها بنفسها كذبا وزورا واجبا من أجل نفسية الأولاد، وأحيانا بنفسه أبا مستمتعا بسلطته التي لا يؤدي من استحقاقاتها شيئا، وهذا حقه المكفول بقوة الأعراف والأمر الواقع.
لم تجد بسنت من يخبرها بأن الطلاق من شبه رجل حقها، وبأن ما أخبروها أنه دين ليس كذلك، وأنه عرف لم يكن ينبغي له أن يكون، وبأن ذكور القبيلتين المجتمعين عليها لا يدافعون عن الدين ولا عن الأسرة ولا عن الأخلاق، بل عن قهرهم هم، وعن صورتهم هم، وعن عالمهم هم. وبأن من أظلموا شوارعنا بفشلهم، ووعينا بجهلهم، وحيواتنا بفسادهم هم وحدهم من يستحقون العقوبة، لا هي ولا أولادها ولا أيامها التي أنهتها بأيديهم.
اختارت بسنت أن توثق انتحارها لتخبر قتلتها بجرائمهم، وتجبرهم، ولو لمرة واحدة، على التوقف عن تبريرها. أرادت أن تقول إن تقنين الظلم لم يجعله عدلا، وأن تديين القهر لم يجعله إنصافا، وأن تشريس الذكور لم يجعلهم رجالا، وأن المعنى من وراء أنوثتها وأمومتها وآدميتها شيء آخر غير ما أخبروها به.
هل كانت صرخة بسنت تستحق حياتها كلها ثمنا لها؟ الإجابة لها وحدها. فلا يعرف "القهر" إلا من يكابده. حتى المتعاطفون، صدقا، مع بسنت لن يدركوا ما أدركته أو يشعروا بما شعرت به. من السهل أن نتحدث عن أحكام الانتحار الشرعية، وضرورة طلب المساعدة النفسية، ودور الدولة، وتغيير القوانين، وأن ندبج الخطابات السياسية والقانونية والحقوقية والإنسانية، ثم ينصرف كل منا إلى حياته، آسفا أو متألما، قليلا أو كثيرا، لا فرق، لأنه لا ثمن. فالثمن تدفعه بسنت وحدها، كل بسنت.
14 ابريل 2026/ العربي الجديد


0 تعليقات